الصندوق السيادي السوري: نحو إعادة إنتاج العلاقة بين السلطة والثروة …افتتاحية جريدة الحداثة

تكشف المعلومات التي نشرتها صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية حول الصندوق السيادي السوري* عن تطور مقلق في مسار إعادة تشكيل السلطة والاقتصاد بعد سقوط نظام الأسد. فالصندوق، الذي تقدر أصوله بنحو خمسين مليار دولار، ويتبع مباشرة لرئاسة الجمهورية، هذا الصندوق بات يدير شبكة واسعة من الشركات والعقارات والمصارف والاستثمارات، بما فيها ممتلكات صودرت من شخصيات ارتبطت بالنظام السابق، يحصل ذلك دون أن تتوافر معلومات مالية وإدارية كافية تتيح معرفة كيفية إدارة هذه الثروة ومصير عوائدها !!!.
والمفارقة الموجعة أن السوريين الذين عانوا عقودا من تداخل السلطة السياسية بالمصالح الاقتصادية، ومن تحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات لإنتاج الامتيازات وتوزيع الثروة على المقربين من الحكم، باتوا من جديد يجدون أنفسهم أمام ترتيبات تثير المخاوف من إعادة إنتاج البنية نفسها و الوجهة نفسها لعلاقة السلطة بالاقتصاد التي كانت تسم نظام الأسدية ذاك الذي دمر البلاد و أوصلها الي الحال الكارثي الذي تعيش فيه ، وإن اختلفت الأسماء والجهات المستفيدة.
صحيح ان استعادة الأموال التي جرى الحصول عليها بالفساد واستغلال النفوذ هو واجب وطني وضرورة من ضرورات العدالة الانتقالية. لكن هذه المهمة تفقد مشروعيتها عندما لا تستند المصادرات إلى إجراءات قضائية واضحة، أو عندما تنتقل الأصول المستعادة إلى مؤسسة تتمتع بنفوذ اقتصادي واسع دون رقابة مستقلة. اذ لا يجوز أن تتحول محاسبة فساد النظام السابق إلى وسيلة لإعادة توزيع الثروة والنفوذ خارج الأطر القانونية و هو ما لا يزال يحصل باضطراد اكثر و تصميم اكثر منذ وصول النظام الجديد الي السلطة . وحيث لا تكمن المشكلة في إنشاء صندوق سيادي بحد ذاته، إذ يجوز لمؤسسة من هذا النوع أن تؤدي دورا مهما في إعادة الإعمار وتنشيط الاقتصاد، وإنما في طبيعة الصلاحيات الممنوحة له، وعلاقته المباشرة بالرئاسة، ودوره في اختيار الشركاء والمستثمرين وإدارة قطاعات اقتصادية استراتيجية. فتركيز هذه السلطات يخلق مخاطر جدية و أكيدة لتضارب المصالح والمحسوبية، وقد يجعل الوصول إلى الفرص الاقتصادية مرهونا بالضرورة بالعلاقة مع مركز القرار السياسي بدلا عن قواعد المنافسة العادلة معروفة المعايير في الثقافة السياسية و الاقتصادية الدولية .
و لعل ما قد يثير القلق بشكل مضاف يتلخص في أن بعض المشاريع المعلنة تركز على التطوير العقاري الفاخر، في بلد يعاني غالبية سكانه من الفقر وتدهور الخدمات ونقص السكن وفرص العمل. ومن المشروع التساؤل عن الأولويات الاقتصادية والاجتماعية التي تحكم استثمار الممتلكات العامة، وعن نصيب السوريين من عوائدها، بدلا من الاكتفاء بالإعلان عن صفقات ضخمة لا تكشف قيمتها المعلنة بالضرورة عن منافعها الفعلية.
ونحن في حزب الحداثة والديمقراطية لسورية اذ نرى أن القضية تتجاوز إدارة صندوق استثماري لتصل إلى طبيعة الدولة التي يجري بناؤها ، نؤكد مجددا و كما فعلنا في مناسبات عديدة ان الدولة الحديثة لا يمكن ان تنهض على تركيز القرار السياسي والاقتصادي في يد السلطة التنفيذية، وإنما على الفصل بين السلطات الثلاث ، التنفيذية و التشريعية و القضائية ، بما يضمن استقلال القضاء ويوفر شروط خضوع المال العام للمحاسبة، وبمنع الاحتكارات والامتيازات التي تنشأ نتيجة القرب من اهل الحكم وذوي السلطة ، و ان تحقيق ذلك انما هو شرط أساسي لتجنب حصول نظام جديد من المصالح المغلقة يشكل موصلا حتميا لفساد لا يلبث ان يتحول الى عمود فقري في الحياة العامة في البلد.
إننا في حزب الحداثة اذ نطالب بالكشف عن الأصول التي آلت إلى الصندوق وقيمتها الحقيقية، ونشر حساباته واتفاقياته الاستثمارية، وإعلان أسماء المسؤولين عن إدارته وصلاحياتهم، نؤكد على ضرورة إخضاع هذا الصندوق لرقابة مالية وقضائية مستقلة. ونشدد قبل ذلك على اولوية مراجعة الأساس القانوني للمصادرات وضمان حقوق أصحاب المطالبات المشروعة، ولا سيما اولئك الذين انتزعت ممتلكاتهم في عهد الأسدية ،قبل انتقالها إلى جهات أخرى (حالة الاستاذ مأمون الحمصي مثالا لا حصرا ) ، خصوصا وان ما يراه السوري و ما يتسرب الى مسامعه من تسريبات يرقى بعضها الى اعتباره موثوقا ،انما يكشف عن بيئة مؤسسية تسمح له بالتصرف بالثروة العامة دون ضوابط فعالة مما يحمل مخاطر جدية لحدوث فساد ممنهج و مدمر للدولة و المجتمع ،

علي أن الفساد الشامل و الكبير من وجهة نظرنا ات لا محالة طالما لا يزال النظام الجديد مصر علي بنيته الحالية و علي نمط احتكاري للدولة و المجتمع ، نمط تتركز فيه الثروة كما تركزت السلطة ، يمنع المراقبة و المحاسبة ويحول دون سيادة القانون ،الأمر الذي لا بد وسيوقع سورية و السوريين في أزمات اضافية منهكة و قاتلة .

هيئة تحرير جريدة الحداثة الإلكترونية بالتفاعل مع مجلس الادارة السياسي للحزب

* مصدر الخبر فايننشال تايمز https://www.ft.com/content/7dd72c96-70dc-4d91-ad1c-eff13a54d6c5

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
Translate