في الذكرى السنوية لمجزرة السويداء: تفكيك بنيوية السلطة، أزمة الهوية، وحق الحياة كمعيار أعلى .

تقرير سياسي صادر عن مجلس الإدارة السياسي لحزب الحداثة و الديمقراطية لسورية بمناسبة الذكري السنوية لمجزرة السويداء

حلت الذكرى السنوية الأولى لمجزرة السويداء الأليمة التي وقعت في شهر تموز الجاري من العام الماضي، ولا تزال ظلال هذه المجزرة المروعة تجثم على المشهد السياسي والوطني السوري ، بخلفيتها التي تلخص مقاربة استبدادية للسلطة و الدولة تقوم علي القهر و الغلبة وتؤشر إلى فهم قروسطي للمجتمع تصاغ العلاقة السياسية فيه بوصفها علاقة راع ورعية، و من يحرر يقرر ،مع تقسيمات و درجات تفرق بين المواطنين ، درجة أولى وأهل ذمة ، دار ولاء و دار براء ،على اعتبار أن تحديدات الإنسان للسماء هي التي تعين موضعه و حقوقه وترسم حدود دوره و ممكناته في المجتمع و الدولة . إن حزب الحداثة و الديمقراطية لسورية الذي يعتمد مجلس ادارته السياسي التشخيص أعلاه للواقع في البلاد ويستحضر أرواح ضحايا تعسف مقاربة السلطة لدولة ما بعد الطغيان الأسدي ،يعرب دون مواربة عن ادانة المجازر التي تعرض لها مجتمع السويداء ، ويعتبر ان نمط تفاعل السلطة اثناء و بعد ارتكابها لجر يمة السويداء انما يؤشر الى ازمة عميقة تعيشها السلطة في بنيتها ومنطقها، فهي التي عملت على هيكلة الدولة السورية و مؤسساتها علي قدها الفصائلي و الأيديولوجي بحيث أمسى جيش الدولة جيشاً للسلطة يحمي وجودها وعروشها و ينفذ مشروعها وينتظم تبعا لمعاييرها بدلاً من دورها و مسؤوليتها في حماية حدود الوطن وحياة المواطنين و الالتزام بمعايير و قيم و مصالح المجتمع السوري على تعدد انتماءات أفراده الاثنية و الدينية و المذهبية ، لقد ابتلع النظام الجديد أسوة بنظام الاستبداد الأسدي السلطات الثلاث التشريعية و التنفيذية و القضائية ، فألغى أي إمكانية للرقابة أو التوازن أو المحاسبة و أسس لشمولية و هيمنة سلطوية من الصعب الفكاك منها ، و ليس التعطيل والمماطلة المستمرين في إصدار وتفعيل قانون أحزاب ديمقراطي و عادل و موضوعي إلا استراتيجية واعية تستهدف إتاحة الوقت الكافي للقوي التي قبضت علي السلطة للاستئثار بالدولة و مقدراتها و تمام السيطرة علي مؤسساتها ولإلصاق حالتها التنظيمية بخواص الدولة ذاتها، وصبغ مؤسساتها بنكهتها وأيديولوجيتها الخاصة ، و هو ما نجحت به الي حد بعيد و ما قد يجعل من اي توجه لصيغة تعدد حزبي في البلاد صورية و مفرغة من مضمونها . و حيث أن الحزب يرى أن مجزرة السويداء وتداعياتها اللاحقة لم تتوقف عند حدود الانتهاك إلاجرامي لحقوق الإنسان وارتكاب جرائم حرب ضد جماعة دينية ، هي من المكونات المؤسسة للوجود السوري الحديث ، و انما طرحت في الفضاء السوري السياسي و المجتمعي سؤالاً فلسفياً وسياسياً عميقاً حول مفاهيم الهوية، الانتماء، والقضايا الوطنية ، أوصل العديد من السياسيين السوريين المحسوبين على السلطة او على التيار الديمقراطي الذي لا ينتمي اليها ، الى تخوين او لوم ونقد مجتمع السويداء من الدروز السوريين بسبب لجوئهم لطلب الحماية الخارجية بما في ذلك الاستعانة بإسرائيل ، التي رغم انها دولة ترتكب جرائم حرب بحق الشعب الفلسطيني و تحتل اراض سورية ، الا انها و لاعتبارات و مصالح حكومية سياسية داخلية و خارجية أوقفت التدخل الميداني وأفشلت رهان السلطة على تركيع دروز المنطقة وارتكاب جرائم ابادة اثناء ذلك ،

يطيب لحزب الحداثة و الديمقراطية لسورية اذ ذاك التأكيد على ما يلي :
أ ـ إن هذا التخوين و اللوم الذي يأخذه قطاع عريض من السوريين و نخبهم انما ينطلق من نظرة قاصرة ومثالية تغفل الواقع المأساوي الذي فرضته السلطة علي المجتمع الدرزي في السويداء . ومن تعالي فارغ و ايديولوجي غير معني بحياة الانسان و اعتبارها اولوية علي كل اعتبار ، فالهوية الوطنية والانتماء السياسي ليسا طوطما متساميا أو قداسة مجردة تعلو فوق حق الإنسان البديهي في الحياة والوجود. وعندما تصل العلاقة بين المواطن والسلطة إلى مرحلة يهدد فيها سلوك السلطة حياة المجتمع وأبنائه بالاستباحة والإبادة فإن غريزة البقاء وحق الدفاع عن النفس يتقدمان على كل الأدبيات الصورية والعقائد الوطنية ، فالخلل والشرخ الذي يصيب فكرة الانتماء الوطني يصبح مفهوما لأنه يحدث بالأساس عندما تتحول الدولة المفترض بها أن تكون المظلة والجامع والحامي إلى الخطر الأول الذي يتهدد حياة مواطنيها ،وردة فعل المجتمع الدرزي السوري في السويداء تبعا لذلك تمثل استجابة طبيعية لإنسان يستهدف في حياته ووجوده وكرامته. ان ممارسة اللوم و النقد ناهيكم عن التخوين لأهل السويداء ليس إلا نوعا من المزايدة الأخلاقية المجردة التي تطالب الضحية / المجتمع الدرزي في السويداء بأن يضحي بارادته بالمشاركة و الديمقراطية اولا ثم بحياته ووجوده الفعلي ثانيا و رئيسيا ، قربانا لشعارات وطنية أفرغها النظام الذي استهدفه من أي مضمون حقيقي. فالوطنية الحقيقية هي التي تحمي المواطن، وليست تلك التي تستخدم كقيد يفرض على الضحية كي تستسلم لجزارها.
ب ـ حين تسوق ادبيات السلطة أو بعض تحليلات المقربين منها لرواية مفادها أن الأولى “وقعت في فخ” أو أخطأت في تقديراتها السياسية خلال أحداث السويداء، فإن هذا الخطاب ينطوي على تضليل خطير ، حيث ان القول بـ “الوقوع في الفخ” يظهر السلطة وكأنها مجرد طرف أخطأ في التكتيك أو ساء تقديره السياسي، دون أن يقر بجرمها الأخلاقي و السياسي والجنائي بحق مجتمعها. إن هذا المنطق يكشف أن المحرك الأساسي لهذه السلطة هو تحقيق مصالحها وتثبيت امتلاكها لمفاصل الدولة، حتى لو كان ثمن ذلك هو الانتهاك الصارخ لحق المجتمع والإنسان في الحياة و العيش بكرامة .
ج ـ ان العدالة الانتقالية الصائبة و الحقيقية هي الشاملة و ليس الانتقائية ، فأي مقاربة لهذا الملف لا تشمل مجازر السويداء والساحل وكافة جرائم النظام الاسدي البائد بعد عام ٢٠١١ وقبله إضافة الي جرائم القوى المحسوبة على الثورة و جميع الفصائل والأطراف العسكرية التي شكلت مراكز لممارسة السلطة و الادارة في أنحاء سورية المختلفة ، هي مقاربة قاصرة و ناقصة لن تحقق العدالة ولن توفر الأرضية لتجاوز حالة الشقاق الوطني ولن تسهم في اعلاء سقف قيم العيش المشترك بين السوريين على تعدد انتماءاتهم الدينية و الاثنية والمذهبية تلك التي تشكل الحجر الأساس لاي استقرار مستقبلي لوطن عادل متقدم ،حر و كريم ، فالجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري لا تسقط بالتقادم ولا يمكن تجاوزها عبر صفقات تسوية سياسية شكلية ، دون محاسبة عادلة لكل المتورطين بانتهاك حقوق الإنسان السوري و ارتكاب الجرايم بحقه دون النظر الي هويته وموقعه من الواقع السوري ماضيا و راهنا .
د ـ ان ضرورة إعادة هيكلة مؤسسات الدولة هي ضرورة قصوى لتكفيك التداخل بين السلطة والدولة ، و لن يتم ذلك دون تأسيس جيش وطني و أجهزة امنية يعكسان في تركيبتهما هوية سورية المركبة ، تتم هيكلتهما بشكل مهني بما يبعدهما عن السياسة و يخضعهما لسلطة مدنية منتخبة ، الأمر الذي يجعلهما جيش و جهاز امن للدولة و ليس لطرف او جهة بعينها ، تلتزمان بحماية كافة السوريين دون تمييز طائفي أو مناطقي،و لا تستخدمان في مواجهة الشعب السوري في اي من مكوناته .
ه ـ ان بناء عقد اجتماعي جديد يرتكز على أن كرامة الإنسان وحقه في الحياة هما البوصلة والقيمة المطلقة في سورية ، وأن الوطنية تقاس بمقدار ما تقدمه الدولة لمواطنيها من أمان وحرية وعدالة، لا بمقدار ما تفرضه عليهم من إخضاع. الرحمة والمجد لشهداء السويداء وكافة شهداء الحرية والكرامة في سورية.

مجلس الإدارة السياسي
حزب الحداثة و الديمقراطية لسورية
في السابع و العشرين من شهر تموز لعام ٢٠٢٦

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
Translate