حول الردة المحافظة وسؤال المستقبل السوري… افتتاحية العدد
قياسا الي الخلفية الأيديولوجية ،الأصولية و السلفية الجهادية ،للقوى التي اطاحت بنظام الاسدية الطغياني ، تعيش سورية اليوم مرحلة انتقالية بالغة الحساسية و الصعوبة، يتخللها صعود نزعات دينية محافظة ذات طابع ديني و اجتماعي الي الفضاء العام ، تريد ان تعيد تعريف المجال العام السوري و الحريات الفردية و السياسية تبعا لتصورات تنتمي إلى الماضي أكثر مما تنتمي إلى المستقبل.
ولعل أكثر ما يقلق السوري و يتهدد مستقبله في هذا المفصل الحاسم من تاريخ البلاد انما يكمن في وجود إرادة تمتلك السلطة ؤاسس القوة و القدرة علي تحويل الدين من كونه خيار فردي ومجتمعي حر إلى مشروع سياسي يسعى إلى احتكار تعريف الأخلاق والهوية و سقف القيمة السوري . فيما يؤشر الي ان النظام السوري الجديد لم يفهم درس الثورة السورية كما يجب ان يفهم ، لم يفهم ان ما دفعته سورية الدولة و المجتمع كأثمان باهظة و مهولة ،لم يكن إلا نتيجة لتسييس مستبطن للهويات الدينية والطائفية جرى علي قدم و ساق طوال العقود الماضية.
و ان تلافي مرور البلاد في منطقة توتر عالي اخري قد تتهدد إنسانها بمزيد من الأهوال و الماسيّ انما يتطلب العمل علي بناء دولة المواطنة والقانون والمؤسسات، لا على اعادة إنتاج أشكال جديدة من الوصاية الفكرية والاجتماعية على الناس. فالدولة التي تضمن الامن و السلام لمجتمعها هي بالضرورة دولة لا تتدخل في حياة الأفراد الخاصة، انما تعمل علي مدار الساعة من اجل حماية حقوقهم وحرياتهم وضمان المساواة بينهم بصرف النظر عن معتقداتهم وخياراتهم الشخصية.
و لا يختلف اثنان ان سورية تعيش تحت وطأة موجة من الردة المحافظة التي تعمل من اجل تحويل الماضي إلى نموذج سياسي كامل للحاضر والمستقبل بما يقود المجتمع و مكوناته الي مزيد من الشقاق و التشظي و إلى حالة مكتملة من الانغلاق والصراع والتأخر ، و دون تأسيس عقد اجتماعي ديمقراطي جديد يجعل الإنسان /المواطن مركز العملية السياسية ، عقد يقوم على الحرية الفردية والمساواة الكاملة بين النساء والرجال و يحترم التعدد الديني والقومي والثقافي، ويفصل الشأن الديني عن إدارة الدولة، بحيث تبقى الدولة ملكاً لجميع مواطنيها لا حكراً على فئة أو عقيدة أو تفسير بعينه. دون ذلك فدورة العنف و الخراب لا تلبث ان ترخي علي وجود السوريين ثقلها و ألمها و آثارها الكارثية .
و علي القوي الساردة في هذا الواقع ان تفهم ان السوريين اسقطوا نظاماً استبدادياً لأنهم أرادوا الحرية و انهم لن يقبلوا ان تتحول الحرية التي ناضلوا من أجلها إلى مناسبة لفرض قيود جديدة بأسماء وشعارات و هيئات مختلفة و جديدة . فالمستقبل الذي يستحقه السوريون لا يمكن ان يكون إلا خطوة شجاعة إلى الأمام نحو دولة حديثة، ديمقراطية، تعددية، تحترم الإنسان بوصفه مواطنا حرا قبل أي انتماء آخر.هيئة تحرير جريدة الحداثة الإلكترونية
