غياب الديمقراطية بوصفه السبب الرئيس في تدهور الحالة المعاشية في سورية..افتتاحية العدد
بعد مرور اكثر من سنة و نصف علي سقوط الأسدية في سورية و بعد التردي الكبير الذي بدأ يظهر علي الجوانب المعاشية و الوضع الاقتصادي في البلد ، بات جليا بما لا يقبل الشك ان الحديث عن إنقاذ الاقتصاد السوري، أو بناء اقتصاد وطني منتج وقادر على تجاوز الكارثة المعيشية، دون الحديث عن الديمقراطية، ليس سوى إعادة تدوير للوهم ، والإصرار علي اعادة انتاج جوهر الماسي التي عانت منها البلاد طوال ستة عقود و اتخذت منحي خرافيا منذ اشتعال الثورة عام ٢٠١١ . فالديمقراطية هي الشرط البنيوي لأي اقتصاد سليم، هي البيئة الوحيدة القادرة على إنتاج الكفاءة، وضبط السلطة، ومنع الفساد، وتصحيح الأخطاء قبل أن تتحول إلى كوارث وطنية. الديمقراطية لم تكن يوما ،ابدا ، ترفاً سياسياً منفصلاً عن الخبز والعمل والدواء والكهرباء و توفير شروط الحياة الأساسية الكريمة لقد أثبتت التجارب الحديثة، كما أثبت التاريخ السوري نفسه، أنّ الاقتصاد لا بد سينهار عندما تحتكر السلطة، وتغلق أبواب المحاسبة، وتتحول الدولة إلى جهاز مغلق يعمل علي قهر الناس ، جهاز يلتصق بالسلطة فلا يرى مصالح الناس و حياتهم و كرامتهم إلا مكملات ثانوية او خطرا يتعارض مع قوته و نجاعة وظيفته . ففي غياب الديمقراطية، تتحول القرارات المصيرية إلى أوامر فوقية غير قابلة للنقاش، مهما كانت نتائجها كارثية على المجتمع.ويفقد المجتمع اليات التصحيح و التصويب و المراقبة و الضبط و التوجية الضرورية لانجاح اي سياسة في اي وضع فما بالكم بوضع كالوضع السوري المنهار بعد عقود من الطغيان و سنوات طويلة من التدمير القتل و التهجير و التخريب الممنهجة .فالديمقراطية منظومة رقابة مستمرة ، إنها الصحافة الحرة التي تكشف الفساد قبل أن يتحول إلى شبكة تحكم بالاقتصاد الوطني. هي البرلمان الحقيقي الذي يراقب الإنفاق العام ويمنع تحويل الدولة إلى مزرعة خاصة هي القضاء المستقل الذي يعاقب المسؤول الفاسد مهما كان موقعه. وهي تداول السلطة الذي يمنع تشكل الطبقات المغلقة التي تحتكر الثروة والنفوذ والفرص لعقود طويلة.في غياب هذه المنظومة، يصبح الفساد جزءا عضويا من بنية الحكم، يصبح الفساد بنيويا، تتحول حينها الكفاءة إلى خطر، وتصبح الولاءات الشخصية أهم من الخبرة، يقصى أصحاب المعرفة لصالح شبكات الزبائنية والمحسوبيات ، هنا يفقد الاقتصاد قدرته على التطور، لأن أي اقتصاد يحتاج إلى المنافسة والشفافية وتكافؤ الفرص، بينما الأنظمة غير الديمقراطية تميل بطبيعتها إلى الاحتكار وإغلاق المجال العام والسيطرة على الموارد.ان الديمقراطية على الحقيقة منظومة ادوات تسمح للمجتمع بمقارنة السياسات واختيار الأفضل بينها ، و هي في الحيز الاقتصادي تخضع الخطط الاقتصادية للنقاش العام، فتتنافس الرؤى المختلفة أمام المواطنين والخبراء ووسائل الإعلام. وعندما تفشل سياسة معينة، يمكن تغييرها سلميا عبر المؤسسات، فتتفادى البلاد الانهيارات و الانفجارات الاجتماعية.ولذلك، فإن أي مشروع جاد لإعادة بناء سوريا لا يمكن أن يختزل المسألة في شعارات التنمية والإعمار او العمل من أجل ” سنغافورة و ماليزيا “أخرى في سورية بينما تبقى البنية السياسية تمتلك القابلية على انتاج الفساد والاحتكار وربما الخراب و التدمير. فلا إعمار حقيقيا دون دولة ديمقراطية تحقق سيادة القانون، ولا استثمار حقيقيا دون فصل السلطات الثلاثه الذي يوفر للقضاء مساحة الاستقلال الحاسمة ، ولا اقتصادا وطنياً منتجا دون مؤسسات شفافة خاضعة للمساءلة الشعبية.
أخيرا إن من ينكر أن الديمقراطية هي الضامن الوحيد لتحقيق استقرار مستدام و اقتصاد ناجح و عادل ، كرامة و مواطنة ، فهو لم يتعلم أبدا من درس الثورة السورية اي شيء ، و سيواجه ما واجهه سلفه ، عاجلا أم آجلا .
