بخصوص اندماج قسد في مؤسسات السلطة السورية..افتتاحية جريدة الحداثة
تطبيقا لاتفاق التاسع والعشرين من كانون الثاني، الموقع بين السلطة السورية والجنرال مظلوم عبدي، قائد قوات سورية الديمقراطية، أعلن الأخير منذ أيام قليلة حل تلك القوات واكتمال اندماجها في مؤسسات الجيش والأمن العام. وإزاء المواقف والقراءات الكثيرة التي صدرت عن سياسيين ومهتمين بالشأن العام حول هذا التطور، يرى حزب الحداثة والديمقراطية لسورية ضرورة تثبيت موقفه منه، ووضعه في سياقه السياسي والعسكري والاجتماعي الذي تشكل خلال الأشهر الماضية، بعيدا عن التفسيرات الاختزالية التي تفصل القرار عن الشروط التي أنتجته.لا يمكن، في تقدير الحزب، عد الإعلان عن حل قسد تطورا مفاجئا أو انعطافا يتفارق مع إمكانات الواقع والمتاحات المرتبطة بالمآلات التي وصلت إليها تجربة الإدارة الذاتية، بل كان تطورا طبيعيا استكمل مسارا كانت قد نحتته التغيرات الجذرية في ميزان القوة بعد اشتباكات الشيخ مقصود ودير حافر، وما ترتب عليها لاحقا في مدينة الطبقة ومحافظة دير الزور، وصولا إلى خسارة جزء كبير من الغلاف العسكري والاجتماعي الذي شكله المكون العربي في شمال وشرق سورية مع قسد وحولها، بالتزامن مع تغير الموقف الأمريكي الذي لم يعد معنيا باستمرار التحالف معها بالصورة التي حكمت العلاقة بين الطرفين خلال السنوات السابقة.إن هذا التحول العسكري والاجتماعي والاستراتيجي الذي سبق قرار الحل واكتمال الاندماج هو الذي يفسر، في جوهره، موقف الجنرال مظلوم عبدي وقادة الإدارة الذاتية من موضوع الاندماج وفق شروط لم تكن لتلبي تطلعات القائمين على التجربة، ولم تصل إلى السقف الأدنى لكثير من أهدافها السياسية المعلنة. ومن هنا لا يمكن إحالة قبول تلك الشروط إلى تواطؤ أو انصياع عبثي لرغبة ما، ولا إلى تخلي قادة قسد عن المبادئ والأهداف والقيم التي أعلنتها التجربة وتمسكت بها طوال أكثر من عقد، بقدر ما ينبغي فهمه باعتباره قرارا سياسيا اتخذ في لحظة تغيرت فيها بصورة عميقة موازين القوة وشروط الفعل والخيارات الواقعية المتاحة.ويرى حزب الحداثة والديمقراطية لسورية أن المسؤولية الأساسية عن المآل الذي وصلت إليه قسد، ومعها مؤسسات الإدارة الذاتية وتجربتها ورهاناتها السياسية، تقع على السياسات التي رسمها قادة التجربة وأهم الفاعلين فيها، وعلى الواقع المادي والمعنوي الذي أنتجته تلك السياسات خلال سنوات طويلة، وليس على اللحظة التفاوضية الأخيرة أو على اتفاق التاسع والعشرين من كانون الثاني بحد ذاته. فالشروط التي قادت إلى هذه النتيجة كانت قد تشكلت في معظمها قبل جلوس قسد والجنرال مظلوم عبدي إلى طاولة التفاوض، وقبل الوصول إلى الاتفاق الذي أصبح الاندماج والحل أحد أهم بنوده.ويعتبر الحزب أن مكمن الفشل الاستراتيجي في تجربة الإدارة الذاتية وقسد يمكن تكثيفه، بصورة رئيسية، في خطين مترابطين شكلا معا الشرط الأعمق الذي أفضى إلى النهاية التي وصلت إليها التجربة.تمثل الخط الأول في الفشل الكبير في إدماج المكون العربي ضمن مؤسسات وبنى الإدارة الذاتية وقسد إدماجا سياسيا حقيقيا. فعلى الرغم من الحضور العربي الواسع داخل مؤسسات التجربة وقواتها، وعلى الرغم من الموارد والجهود التي خصصت لهذا المسار، لم تتمكن القيادة، لأسباب كثيرة ومعقدة لا يتسع متن هذا البيان لتفصيلها، من تحويل هذا الحضور إلى شراكة فعلية في إنتاج المعنى السياسي للمشروع، وفي صياغة خياراته واتجاهاته، ومن ثم في تبنيه والدفاع عنه باعتباره مشروعا يخص المكونات التي تعيش في المنطقة جميعها. وقد ظهر عمق هذه المشكلة حين تعرضت التجربة لاختبار عسكري وسياسي حاسم، فتحول جانب مهم من الغلاف العربي الذي بدا جزءا من بنيتها طوال سنوات إلى عنصر هش لم يكن قادرا على أداء الوظيفة السياسية والاجتماعية التي كان يفترض أن يؤديها في لحظة الخطر.أما الخط الثاني فتمثل في عدم قدرة قادة التجربة على تحويل التحالف العسكري الذي أقامته قسد مع الولايات المتحدة إلى شبكة مصالح أمريكية مركبة وواسعة، تتجاوز الوظيفة العسكرية المباشرة وتجعل استمرار التجربة مهما لمؤسسات ومراكز قوة وفاعلين سياسيين ومدنيين داخل الولايات المتحدة، ومرتبطا بمصالح وقيم تتجاوز الظرف الذي أنتج التحالف أساسا. وقد ظهرت خطورة هذا القصور بصورة أوضح مع تراجع الوظيفة العسكرية للتحالف إثر المستجدات التاريخية التي شهدتها سورية بعد سقوط الأسد وتحرر المجتمع السوري من طغيانه، إذ لم تكن قد نشأت بالتوازي مع العلاقة العسكرية شبكة مصالح سياسية ومدنية واستراتيجية قادرة على منح استمرار التجربة وزنا مستقلا عن وظيفتها الأمنية والعسكرية.ومن هذا المنطلق، يعتبر حزب الحداثة والديمقراطية لسورية أن إلقاء المسؤولية عن مصير تجربة الإدارة الذاتية على غياب الرغبة لدى قادة قسد والإدارة في الاستمرار، أو تفسير ما جرى من خلال قراءات المناضل عبد الله أوجلان واتهامه بالتخلي عن القضية الكردية وتطلعات الشعب الكردي، يمثل موقفا خاطئا ونقدا سطحيا وكسولا يحمل هشاشة بنيوية لا يخطئها الوعي النقدي العلمي المتجرد. فأوجلان لم يتخل عن شعبه ولا عن المبادئ التي شكلت جوهر مشروعه السياسي، وإنما راجع أدواته وأهدافه المباشرة في ضوء التحولات العميقة التي طرأت على الظروف التاريخية التي نشأت فيها تلك الأدوات، محاولا الحفاظ على جوهر الأهداف ومضامينها في واقع لم يعد يسمح بالضرورة بإعادة إنتاج الوسائل والصيغ نفسها التي أنتجتها مرحلة تاريخية مختلفة.فالوفاء لقضية سياسية لا يتحقق بتجميدها عند لحظة تاريخية بعينها، ولا بتحويل الأدوات التي ابتكرت لتحقيق أهدافها إلى غايات قائمة بذاتها. وتكمن قدرة القيادة التاريخية الملتزمة بقضية شعبها وقيمه ومبادئه، في جانب أساسي منها، في استعدادها لمراجعة المنطق والمنظورات والأدوات كلما تغيرت الشروط التي أنتجتها، وفي قدرتها على البحث عن الأشكال الجديدة التي تسمح بتحقيق الأهداف في روحها ومضمونها، لا في أنماط تجليها وظهورها التي فرضتها مرحلة سابقة، حين يصبح مثل هذا الانتقال ممكنا وضروريا.وانطلاقا من ذلك كله، يؤكد حزب الحداثة والديمقراطية لسورية أن اندماج قسد ومؤسسات الإدارة الذاتية في مؤسسات السلطة السورية، والذي تم في ظل قوة الواقع وأهمية البعد الحسابي الذي لا يمكن لأي قيادة سياسية مسؤولة تجاهله عند صناعة قراراتها، لا ينبغي أن يمثل نهاية للأهداف السياسية التي حملتها التجربة، وإنما انتقالا لميدان الصراع السياسي حولها من إطار جغرافي وإداري وعسكري خاص إلى المجال الوطني السوري الأوسع.وما يتوجب على قادة تجربة الإدارة الذاتية والقوى السياسية التي كانت فاعلة في فضائها، بعد المضي في الاندماج، هو إجراء مراجعة نقدية جذرية وصريحة للتجربة، لا بقصد التنصل منها أو البحث عن مسؤوليات خارجية تعلق عليها أسباب الفشل، وإنما من أجل فهم بنيتها وأخطائها والخيارات التي قادتها إلى مآلاتها، وبناء مقاربة وهيكلية جديدتين لمجمل السياسات والأدوات التي ينبغي اعتمادها في المرحلة المقبلة.إن الأهداف الديمقراطية التي كان يفترض أن تحملها تجربة الإدارة الذاتية لا تفقد مشروعيتها بانتهاء بنيتها العسكرية والإدارية الخاصة، بل يصبح المطلوب نقلها إلى المجال السوري العام وتحويلها إلى جزء من معركة سياسية وطنية أوسع. وهذا يقتضي جهدا سياسيا منظما ومدروسا تشارك فيه القوى التي راكمت خبرة سياسية ومؤسساتية خلال سنوات التجربة، وتضغط من خلاله باتجاه بناء دولة مواطنة تعددية ديمقراطية، تعترف دستوريا بتنوع مكوناتها القومية والدينية والثقافية وبحقوقها، وتؤسس لفصل حقيقي بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتصون استقلال القضاء، وتحترم حقوق الإنسان وتضعها في مركز بنيتها الدستورية والسياسية، دون مجاملة أو مواربة أو مهادنة في كل ما يتصل بهذه المبادئ.إن نهاية قسد بصيغتها العسكرية، وكذلك الإدارة الذاتية بصيغتها التي عرفتها سورية خلال السنوات الماضية، لا ينبغي منه أن يعني وضع حد لطرح الأسئلة التي حاولت التجربة الإجابة عنها. فما يتعلق بحقوق الكرد، وبالعلاقة بين المركز والأطراف، وبتمثيل المكونات، وبالمواطنة والمساواة وفصل السلطات والحريات العامة وحقوق الإنسان و الديمقراطية بوصفها منظومة قيم متباينة ، ليست قضايا تخص تجربة سياسية بعينها حتى تنتهي بانتهائها، وإنما هي في صلب السؤال المتعلق بالدولة السورية التي ينبغي بناؤها بعد عقود الاستبداد. ومن هنا يصبح الاختبار الحقيقي للقوى التي حملت تلك المطالب هو قدرتها على إعادة إنتاجها في مشروع وطني ديمقراطي، وعلى تحويل ما راكمته من خبرة وقوة اجتماعية وسياسية إلى عنصر فاعل في بناء سورية الجديدة.هيئة تحرير
في الثاني من شهر ايلول من عام 2026
