بيان الذكري الخامسة و العشرين لتأسيس حزب الحداثة و الديمقراطية لسورية

منذ ٢٥ سنة بل قبل ذلك اعوام حيث كان الصمت سيد الموقف و الامتثال لنظام الاسدية القمعي هو الخيار الوحيد في البلاد ، اتفق طلبة جامعيين ، من منابت اثنية و دينية و مذهبية مختلفة على ضرورة العمل المنظم من اجل ترسيخ قيم الحداثة و الديمقراطية في سورية ولاجل النهضة بواقع و حياة المجتمع السوري ، لقد ادركوا انذاك انهم قد لا يمثلون المجتمع السوري و لا ينسجمون مع اثار الخطابات السياسة التي ينحاز اليها غالبية السوريين ،لكنهم وثقوا ان خطابهم السياسي هو الذي يحتاجه مجتمعهم حتى يتجاوز أزماته الكبرى و يتجنب مصائر مأساوية قد تطيح ببلادهم وتنهي وجودها . فأسسوا حزب الحداثة و الديمقراطية لسورية بوصفه جسرا اشكاليا بين ما هو كائن و ما يجب ان يكون ، آخذين على عاتقهم الابتعاد المتعمد عن الخطاب التعبوي ورفض المقاربات الشعبوية في اي وقت او ظرف ، مؤكدين ان الجسم الذي أسّسوه لم يشأ لنفسه ان يكون اداة تقنية لتمثيل المجتمع انما استجابة تاريخية لحاجاته التي قد لا يستطيع الحياة و الاستمرار دونها .
و هكذا واجه حزب الحداثة منذ تاسيسه مفارقة كبرى و صعبة ،تتعلق ببنية مجتمعية سورية تاريخية و ثقافية عميقة و صعبة تشكلت عبر قرون تعيد انتاج نفسها و ترسيخ ذاتها بحكم علاقتها العضوية و الجدلية بالسياسة و انتاج كل ما هو سياسي في المجتمع . بنية تجعل من وجود السوريين قروسطيا تقليديا وذكوريا لا يعترف بالاختلاف بوصفه حقا و لا يفصل بين المقدس و السياسي .لا يقبل بقواعد اللعبة الديمقراطية ولا ينتج تلقائيا شروط المواطنة الحديثة .
و اصبح على الحزب دوما ، ان يعمل على حل هذه المفارقة ، بان يعي ان حيازته على ابعاد تمثيلية لقطاعات واسعة من المجتمع تلك التي تشكل اساسا لشرعية الحزب السياسي كما نشأ في السياق الغربي ،يجب ان لا تدفعه كي يتحول الى مرآة لبنية مجتمعية مأزومة ،و في الوقت نفسه تمسكه بشخصيته و روحه حين ولد ، يجب ان لا تحوله الى نخبة معزولة عاجزة و مفصولة عن اكراهات الواقع و حيثياته ، فوجد ان حل هذه المفارقة يقتضي ليس الانحياز لاي من طرفيها بل ادارتها بوصفها شرطا دائما للعمل السياسي في المجتمع السوري ، فلا يختار التمثيل الواسع حتى لا يفقد قدرته على تنوير المجتمع و النهوض به ،و لا يختار التحديث المجرد فيفقد قدرته على التأثير و هكذا كان، واعيا ، ان الحزب الذي تحتاجه سورية ليس هو الذي يتكيف مع واقعها و يعيد انتاج أزماتها بل هو الذي يمثل قوى المناعة الذاتية فيها و يعمل على تلبية حاجتها العميقة الى الخروج من ازماتها المستعصية و تجاوز حدودها التاريخية ،بحيث تصبح العلاقة بين الحزب و المجتمع في هذا السياق علاقة عضوية لا تطابقية ، علاقة تفاعل ،،الحزب يتأثر بالمجتمع و يتعلم من تناقضاته يخاطب مخاوفه لكنه لا يستسلم له او يبرر اخطاءه و يستثمر فيها .
و هكذا و مع هذا الفهم وفي هذا السياق تحول حزب الحداثة منذ تأسيسه الى احد مواقع الصراع على معنى السياسة ذاتها ، هل هي تعبير عن الهوية ام عن المصالح المشروعة؟ ، عن الغلبة ام عن المعايير و القواعد؟ ، عن الماضي ام عن المستقبل؟

و اذ يحتفي حزب الحداثة بذكرى ميلاده الخامس و العشرين يؤكد انه وجوده كوسيط تاريخي بين شكل سياسي ولد في سياق حداثي و بين مجتمع لم ينجز بعد شروط هذا الشكل ، هو بحد ذاته فعل سياسي ذو قيمة كبيرة ، و بمجرد ظهوره في المجتمع ، قد غير بتوازنات قائمة وطرح اسئلة لم تكن مطروحة و ساهم في اعادة صياغة ما هو مشروع و ما هو غير مشروع في المجال العام علي أنه يعي انه يعمل داخل سياق مختلف و يجب ان يحاكم اداءه بمعاير واقعية، مدركا ان النجاح في الاجتماع السياسي السوري لا يقاس فقط بعددالاعضاء و مقدار التوسعات الافقية التي ينجزها الحزب انما بقدرته على ترسيخ فكرة التنظيم بوصفه فعلا مشروعا و على تحويل السياسة من مجال محرم و مخيف الى مجال قابل للتفكير و المشاركة ، كما لا يقاس بما يحققه على مستوى السلطة و انما بما تركه او قد يتركه من اثر في الوعي العام و في تصور الناس للسياسة وحدودها و في علاقتهم بفكرة الاختلاف و التنظيم .

اخيرا : يطيب للحزب ان يهنئ أعضاءه و مناضليه في ذكراه الخامسة و العشرين و ان يدعوهم الي المزيد من المثابرة والاستمرار في المضي قدما علي طريقهم الصعب في مواجهة شروط العمل العام الصعبة في سورية ، كما يطيب له ان يعاهد السوريين على ان يظل الصوت المدافع عن التعدد و حق الاختلاف في البلاد ، عن التسامح بوصفه اعترافا و تقديرا ،عن الديمقراطية بوصفها منظومة قيم شاملة تنتمي اليها اليات اللجوء لصنادق الاقتراع و التداول السلمي للسطة و فصل السلطات الثلاث و لا تحتكرها مؤكدا انه سيظل مناهضا للاستبداد السياسي ايا يكن وجهه و لبوسه ..

فكل عام و حزب الحداثة و الديمقراطية و الحداثيين الديمقراطيين في سورية بالف الف خير .

مجلس الادارة السياسي
حزب الحداثة و الديمقراطية لسورية
في الثالث من نيسان من عام ٢٠٢٦

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
Translate