الأدب السياسي والبحث عن متنفس على الورق
الأدب هو انعكاس للمجتمع الذي يعبر عنه، وتتنوع أغراضه وأشكاله، إلا أنها تصب جميعها في تحقيق التعبير عن قضايا وهموم المجتمع ودفعه إلى التقدم نحو الأمام، في هذا الإطار يبرز الأدب السياسي، كشكل من أشكال الأدب يعبر عن قضايا المجتمع السياسية التي تتصل بالسلطة وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.
الأدب السياسي في العالم العربي، مع تصاعد موجات النضال ضد المستعمر في الأربعينيات والخمسينيات، ثم استمر تطور هذا الأدب خلال الستينيات وظهور الحداثة وما بعد الحداثة، ثم موجة الثورات العربية الأخيرة.
وتقول الدكتورة أماني فؤاد، أستاذ النقد الحديث بأكاديمية الفنون بالقاهرة:
إن الأدب السياسي هو الأدب الذي يشتبك مع القضايا السياسية التي تهتم بالحالــــة العامــــة في أي مجتمـــع، كقضايا الحرية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والحياة التشريعية وسيادة دولة القانون، ويكون ذلك من خلال معالجة أدبية لهذه القضايا من خلال إطـــار اجتماعـــي وعلى لسان الشخوص التي تظهر في العمل الأدبي، سواء كان هذا العمل الأدبي في شكل قصصي أو في شكل شعر أو رواية.
وتضيف أن الأدب السياسي بدأ مع فــترات الاستعمار، وفي مصر بدأ مع الحملة الفرنسية عام 1798، ثم بدأ في التكون بصورته التي عرفت بعد ذلك مع الاحتلال الإنجليزي، وكان وقتها أدباً سياسياً يتمثل مضمونه في الانتقادات الموجهة للملك والحكم والأحزاب والفرق السياسية، واستمر تطور حركة الأدب السياسي حتى الستينيات، عندما أثر انكسار الثورة وتراجع حلم القومية العربية على إبداع الأدباء في هذه الفترة.
ظلال المعالجة بعد الستينيات
بعد الستينيات ظهرت حركتا أدب الحداثة وما بعد الحداثة، إلا أن كثيرًا من الأعمال الروائية كانت شبه حيادية، واعتمدت ظلال المعالجة فيها على النقد السياسي من خلال التلميح وليس التصريح، وهو ما استمر حتى ما بعد ثورة 25 يناير في مصر، مشيرة إلى آخر ما كتبه علاء الأسواني في قصة منشورة له بعد ثورة 25 يناير في مصر بعنـــوان «ماذا قال النسناس في حضرة الأسد؟»، حيث أسقط الكاتب قصته على الأوضـــاع التي شهدتها مصر عقب الثورة، موضحة المعنى الواضــح في أن النسناس إشارة إلى الرئيس السابق حسني مبارك، والأسد إشارة إلى العسكرية المصرية، معتبرة أن استمرار موجة الأدب السياسي والأدب السياسي الساخر مرتبط بالرغبــــة في التنفيس عن مشاعر الغضب من الواقــــع ومحاولـــة التهويـــن على النفس ولو بالسخرية منه، أو حتى السخرية المريـــــرة من كل شيء، إضافـــة إلى الرغبة في الهروب من الرقيب الحكومي أو حتى الرقيب الديني المتمثل في الأزهر، خاصــة مع تكرار مصادرة السلطة الدينية لعدد من الكتب في الفترة الأخيرة.
وأوضحت أن ملامح الأدب السياسي تتمثل في معالجة مشاكل الحريات والعدالة الاجتماعية والقانون والشأن الاجتماعي، وهناك سمات أخرى في الأدب السياسي الذي عادة ما يكون أدبًا ساخرًا وأدبًا عنيفًا، خاصة فيما يتعلق بأدب السجون.
تبدل في المضامين
عن تأثير الثورات في الوطن العربي بشكل عام على الأدب السياسي، قالت:
إن مصر دائما هي عربة القطار، التي تتأثر بها غالبا كل الدول العربية، وفي ظل الثورات التي يشهدها العالم العربي حاليا، فسوف يكون لمصر الدور التنويري وستعلو ذبذبات الحرية في البلدان العربية، إلا أنها تتوقع أن تشهــد الفترة المقبلة نوعاً من التصريح وليس التلميـــح، بسبب وجود جو من الحرية، وسيتنوع اتجاه الأدباء ما بين المتفائــــل والمتشائــم، إلا أنهـــــا تتوقــــــع ألا تكون الأعمـــال الصادرة عقـــب الثـــورة مباشـــرة ناضجـــة بالقدر الكافي.
وأضافت أن الأدب السياسي في الفترة المقبلة سيشهد نماذج إنسانية تحمل مضامين من الحرية والعدالة والكرامة وغيرها، كما أن نموذج الشاب الثائر سيكون نموذجًا حيويًا، كما سيظهر ممثلون عن الطبقـــة المتوسطـــة المرتفعة غير المنتمية لتوجه ديني أو سياسي معين، وغيرها من النماذج الثرية مثل شخصيات الحاكم السلطوي الديكتاتور، وأيضا نموذج رجال الأعمال الفاسدين ورجل الأمن القمعي، متوقعة أن يشهد نموذج رجل الأمن على وجه التحديد اهتمام الأدباء في الفترة المقبلة.
كما توقعت أن يشهد الأدب خلال الفترة القادمة دمجا بين فكر الفلاسفة العالميين وعلماء النفس والحس الإنساني والفني، إلى جانب استخدام الرمز، كما أن الأدب السياسي سيكون أكثر اشتباكًا مع الواقع ورغبة في التعبير الحقيقي؛ بمعنى أنه سيعتمد على الرصد والتحليل والوصف ثم بلورة ذلك للخروج برؤى سياسية واجتماعية، إلا أنها حذرت مما وصفته برفاهية التجريب، حيث سيكون دور الأدب تنويريًا خلال الفترة المقبلة، خاصة أن نصف الشعب المصري يعاني من الأمية.
الأدب والرغبة في التغيير
الروائي المصري أحمد الشيخ رفض فكرة تركيز العمل الروائي على جانب واحد فقط، قائلا:
إن الأدب لا بد أن ينبع من الواقـع الذي يعيش فيه المجتمع، والسياسة جزء منه، إلى جانب غيرها من الجوانب النفسيـــة والاقتصاديـــة وغيرهــــا، فلا بد من تنـــوع الرؤيـــة الأدبيــــة وألا تكون قاصــرة على الجانب السياسي فقط، لافتا إلى أنه من المفترض أن يجد الكاتـــب الصيغة المناسبة لتوصيل رؤيته وتفعيل محتـــوى الكتابة ورسالتهـــا ودورهــــا الاجتماعـــي والسياسي.
وعبر الشيخ عن رفضه للرواية السياسية الجامدة التي لا يوجد فيها فن أو إبداع أدبي، والتي تقوم على مبدأ «أنا قررت أكتب رواية سياسية»، قائلا إن الكتَّاب الكبار أمثال شكسبير على سبيل المثال لم يكتبوا في السياسة عن قصد، بل كتبوا عن المجتمع بالدرجة الأولى، محذرًا من أن تتحول نماذج الأدب السياسي إلى مجرد منشور سياسي وليست كتابة سياسية.
وعن تأثير الثورات على الأدب رأى ضرورة استمرار الدور الذي كان يقوم به كل من الأغنية والشعر والرواية قبل الثورة، وأن نتعامل مع الثورة من منطلق استثمارها وليس الكتابة عنها، مؤكدا في نفس الوقت أن الثورة جديرة بالكتابة، لكن من خلال رؤى اجتماعية ورصد ما نتج عنها من تغيير في حياة الناس، موضحا أن الأدب يجب أن يتجاوز فكرة البعد الإملائي، فالرسالة الحقيقية للأدب هي أن يعبر عن الرغبة في التغيير لعالم أفضل، وليس مجرد الخطابة السياسية فقط.
في مواجهة القمع
من جانبه اعتبر الناقد الأدبي عبدالرحمن أبوعوف، رئيس تحرير مجلة الرواية الفصلية المتخصصة، أن الرواية في مصر وصلت إلى ذروة العالمية على يد نجيب محفوظ، إلا أن هذا لا يمنـــع وجود أدباء في الدول العربية وهـــؤلاء جاءت معظـــم كتابتهـــم نقدًا للقمع، وأشار أبوعوف إلى أنه قد توصل في كتاب له عام 1996 بعنوان «القمع في الروايـــة العربية» إلا أن معظم الروائيين العرب تم اعتقالهم، وهو ما جعلهم معتادين على الدخول في صراع مع الاستبداد والقمع.
البيان ـ موقع حزب الحداثة
