شرعيةٌ متغلّبة وسيادةٌ مفتّتة(٦).

الشرعية المتغلبة بيد الأقوى في سبيل أي سيادة؟

من خلال النظر في حادثة خلع ثمّ قتل السلطان سليم الثالث الدرامية، والتي تكاتفت فيها ثلاثة شخصيات، شيخ الإسلام عطاء الله أفندي، والقائم بمقام الصدارة العظمى موسى باشا، و«العاصي» القائد في سلاح حفظ أمن المضيق مصطفى قاباقجي، وطبعًا من وراءهم الصدر الأعظم إسماعيل باشا، الذي أخفى معارضته للسلطان محرِّضًا الأعيان عليه، قائلًا لهم: «احذروا فإنّ السلطان يبيت لكم النيّة، وهو سيجزّ رؤوسكم بالسيف».

يضاف إلى ذلك انتشار دعايات في صفوف الجيش من قبيل: «نحن الإنكشارية، العبيد أبًا عن جد، لا نلبس لباس النظامات الجديدة»، وكذلك بين الوزراء: «أمان يا صاحب الشريعة أمان من هذا النظام الجديد»، وبين أئمة الجوامع مثل: «إن إلباس العسكر لملابس النظام الجديد يأتي على إيمانهم بالخلل». كل هذه المظاهر تنبيء عن خلل عام أكبر، وإن لم تكن سلطة الشعب قادرة على فعل شيء، لكون الوعي الديموقراطي لا يمكن أن يحسب له حساب إذ كان معدوماً، فإننا ما زلنا نتحدث عن أهم دواعي فشل السلطان سليم في إصلاحاته، وهي عدم وجود رجال الدولة الموافقين على خطواته، وكذلك لكونها الخطوة الأولى «شبه الناجحة» من نوعها في الدولة، والتي لا بد أن تلاقي هكذا معارضة لأسباب متعلقة بمصالح الحاشية، وكذلك الأسباب الدينية غير المنفكّة عن الأسباب الاجتماعية.

فوق كل هذه الأسباب، لا بدّ من التأكيد على إرادة السلطان النافذة، وضعف شخصية السلطان سليم الثالث بالمقارنة مع خلفه محمود الثاني، وهو ما يقودنا إلى استنتاج أن نظام الدولة السلطانية القروسطية كان ما يزال يشتغل في بنية الدولة، وأن كل شيء بيد السلطان، حتى أنم وجود سلطان قوي مثل محمود الثاني كان يعني مرور هذه الإصلاحات من فوق الجميع سواء كانوا عسكرًا أم شيوخًا، في حين أن غيابه سيؤدي إلى ما حصل مع سليم الثالث. وبالنظر إلى حالة عبد الحميد الثاني، فإنه أقرب إلى سليم في الشخصية، مع احتفاظه بسلطاته القوية، ووجود تطور في جهاز البيروقراطية بالتوازي مع قوّته، ما رجّح كفّتهم ومكّنهم من خلعه في نهاية المطاف، طبعًا بالاستفادة من «العرف» الذي يفيد بضرورة وجود فتوى من شيخ الإسلام، باعتبار أن الجانب الديني لم يتغير في الدولة العثمانية، أي أنها دولة خلافة، للمؤسسة الدينية عرف قديم فيها لم يتغيّر مع الزمان.

هذه المؤسسة، التي وإن كان لها تأثير روحي قوي على امتداد الدولة، إلا أنّها تفتقد لجهاز خاص بها، مما يعرّضها للاستغلال من قبل قوة السلطان أو قوى أخرى عسكرية أو مدنية، فلا يمكن إغفال وجود قوة السلطان بالتأثير عليها. ومع هذا التأثير السلطاني، الذي يمكن أن يزداد وينقص متأثرًا بتلك القوى، نجد أن ضعف السلطان يمكن أن يؤدي إلى استقطاب هذه القوّة الروحية لصالح قوى أخرى، هي البيروقراطية الحديثة ذات الخلفية العسكرية في عهد عبد الحميد الثاني، وهي مجموعة القوى العسكرية الكلاسيكية في عهد سليم الثالث.

لمحمد عثمانلي.

الجمهورية- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
Translate