التعصب والاستعلاء الديني: تزيين التطرف بالأدلة(١).
يُخطئ من يظنّ أنّ منظومة التعصّب والعنف والتطرّف والكراهية هي أفكار وجماعات ساذجة ومعزولة، والحال أنّه جنون تنساق إليه الأمم والجماعات في عمليات طويلة ومتراكمة من التفكير “المنطقي” المستند إلى أدلة صحيحة أو مقولات تحظى بالإجماع والقبول، فالتعصّب الديني في حقيقته متوالية من الأفكار والمواقف والمشاعر القائمة على منطق مستمَّد من حقائق ومعتقدات تحظى بالقبول والإجماع.
وعلى سبيل المثال، ليس ثمّة اختلاف بين “داعش” وسائر المسلمين على الأدلة والمصادر التي يعتمد عليها هذا التنظيم العنيف؛ بل المرعب أنّ هذا الإنتاج للتعصّب والتطرّف والخروج من العالم والخروج عليه في منظومة متماسكة وجذابة هو أخطر ما أصاب عالم الإسلام المعاصر، فقد انتشر هذا “الفكر” وتحوّل إلى مناهج تعليمية وتطبيقية متبعة بين فئات واسعة من المسلمين، ولم يعد مقتصراً على جماعة أو تنظيم، وفي اللحظة التي يتاح فيها لأتباعه فرصة لتطبيقه، فإنّهم يندفعون بحماس وشغف إلى الجنون والدمار.
يُخطئ من يظنّ أنّ منظومة التعصّب والعنف والتطرّف والكراهية هي أفكار وجماعات ساذجة ومعزولة
يسوق سيد قطب مجموعة من الأدلة والمقدّمات المنطقية المؤسسة لجماعات وأفكار تعلن الحرب على العالم، فهو يقرّر أنّ الإسلام منهج حياة شامل، ويقابل الإسلام الجاهلية، فإمّا إسلام، وإمّا جاهلية، إذن المجتمعات التي لا تتمثل هذا الشمول أو تخلّ به ليست إسلامية، بل هي مجتمعات جاهلية؛ إذ يقول تعالى: “أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون”، فما ليس حكم الله هو حكم الجاهلية، وهكذا تنتفي صفة الإسلام عن مخالفة حكم الله. والإسلام منهج رباني من عند الله، وفي ذلك فإنّ المستقبل لهذا الدين، والمسلمون وفق هذه الحقيقة مكلفون بإنقاذ البشرية الحائرة المعذَّبة التي حطّمها البعد عن الإسلام، ويجب عليهم أن يحطّموا كل عائق يحول بين الناس وبين الإسلام.
ويقول في كتاب “المستقبل لهذا الدين”: “والناس إمّا أن يعيشوا بمنهج الله هذا بكليته، فهم مسلمون، وإمّا أن يعيشوا بأيّ منهج آخر من وضع البشر، فهم في جاهلية لا يعرفها هذا الدين؛ الجاهلية ذاتها التي جاء هذا الدين ليحطّمها، وليغيّرها من الأساس، ليخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله. والناس إمّا أن يعيشوا بمنهج الله بكليته، فهم في توافق مع نواميس الكون، وفطرة الوجود، وفطرتهم هم أنفسهم، وإمّا أن يعيشوا بأيّ منهج آخر من صنع البشر، فهم في خصام مع نواميس الكون، وتصادم مع فطرة الوجود، ومع فطرتهم هم أنفسهم، بوصفهم قطاعاً في هذا الوجود، تصادم تظهر نتائجه المدمّرة من قريب أو من بعيد”.
يسوق سيد قطب مجموعة من الأدلة والمقدّمات المنطقية المؤسسة لجماعات وأفكار تعلن الحرب على العالم
هذا المضي في بناء وتزيين اتجاهات شاذة ومخيفة بناء على أدلة متفق عليها دفع على مدى التاريخ والجغرافيا أمماً كثيرة إلى الجنون والدمار. النازية مثلاً التي أنشأت على مقولة التميز والأفضلية دولة متقدمة علمياً وتكنولوجياً، وحشدت فلاسفة ومفكرين وعلماء، ومضت في الحروب والإبادة، وأشعلت حرباً عالمية راح ضحيتها أكثر من (60) مليون إنسان، وفككت أو قسّمت دولاً، وهجّرت وشرّدت عشرات الملايين، وما زال العالم حتى اليوم يعيش في متواليات ونتائج هذا الجنون، لكنّه جنون وقفت وراءه منظومة واسعة من العلم والصناعات والجيوش والجامعات والمدارس!
ولنتخيل ماذا يحدث لو امتلكت الجماعات الإسلامية المتطرفة الفرص والإمكانيات التي أتيحت للنازية!
يقول سيد قطب، ولا يختلف معه مسلم: “إنّ الإسلام منهج حياة بشرية واقعية بكلّ مقوماتها، منهج يشمل التصوّر الاعتقادي الذي يفسّر طبيعة (الوجود)، ويحدد مكان (الإنسان) في هذا الوجود، كما يحدد غاية وجوده الإنساني، ويشمل النظم والتنظيمات الواقعية التي تنبثق من ذلك التصور الاعتقادي وتستند إليه، وتجعل له صورة واقعية متمثلة في حياة البشر، كالنظام الأخلاقي والينبوع الذي ينبثق منه، والأسس التي يقوم عليها، والسلطة التي يستمدّ منها، والنظام السياسي وشكله وخصائصه، والنظام الاجتماعي وأسسه ومقوماته، والنظام الاقتصادي وفلسفته وتشكيلاته، والنظام الدولي وعلاقاته وارتباطاته”.
لابراهيم غرايبة.
حفريات- موقع حزب الحداثة.
